سيف الدين الآمدي

68

غاية المرام في علم الكلام

الشاهد ، فإنه غير لازم في حق الغائب ، كما سلف . وما قيل من أنه لا حاجة إلى صفة الإرادة مع وجود العلم والقدرة فممتنع ؛ إذ القدرة هي ما يتأتى بها الإيجاد ، ولا محالة أن نسبتها إلى سائر الأوقات نسبة واحدة . فتخصيصها للحادث بزمان حدوثه ، من غير مخصص ، مع أن نسبة الأوقات إليها نسبة واحدة ، لا معنى له . وهو كما قيل في التخصيص بالذات من غير فرق . وهذا لا ينعكس في الإرادة كما سلف . فإذا لا بد من المخصص . ثم لو أغنت عن الإرادة لحصول الإيجاد بها لأغنت عن العلم أيضا . وكيف وأن القدرة عند الخصم في الشاهد ما يتأتى بها الإيجاد ، كما في قدرة المختارين بالنسبة إلى أفعالهم ومع هذا ليست كافية عن الإرادة . حتى إن من كان قادرا ولم يكن مريدا فإنه وإن حصل الإيجاد في حقه . صح أن يقال : ليس هو أولى من عدمه ، وإن فعله عبث . فهلا قيل مثله في حق الباري تعالى ؟ وليس العلم مما يصح الاكتفاء به عنها أيضا ، وإن لزم الحدوث في وقت الحدوث من ضرورة تعلق العلم به ؛ إذ العلم لا يحصل به التمييز ، ومع قطع النظر عما به التمييز ، فتخصيص الحادث بزمان حدوثه ، إذ ذاك ، لا يكون أولى به من غيره . ثم إنه لو اكتفى به عن الإرادة ؛ لضرورة وقوع الحادث على وفقه ، لاكتفى به عن القدرة أيضا لهذا المعنى . كيف وأنه من الجائز أن يحصل العلم في الشاهد لبعض المختارين بإخبار صادق ، بأنه سيفعل كذا على كذا ، في وقت كذا ، ومع ذلك فالإرادة لا تكون مستغنى عنها ؟ فقد بان من هذا أنه لا سبيل إلى القول بالاستغناء بالعلم أو القدرة عن الإرادة أصلا . ولا جائز أن يقال بأن معناها هو معنى العلم أو القدرة ، إذ هما أعم منها ، من حيث أن كل مراد اللّه - تعالى - مقدور ، ومعلوم . وليس كل معلوم أو مقدور مرادا ، والقول بأن الأخص هو الأعم ، والأعم هو الأخص ، محال . فقد بان أنه لا بدّ من صفة زائدة على ذات واجب الوجود ، يتأتى بها